توقيتك لم يتأخر

قد تصل إلى مرحلة في حياتك تشعر فيها أن توقيتك مختلف عن كل من حولك. ترى الناس يمضون في أعمارهم وكأن للحياة جدولًا معروفًا: هذا الوقت للعمل، وهذه المرحلة للاستقرار، وهذا العمر لتحقيق الأهداف، ثم تجد نفسك في مكان مختلف عنهم، وكأن ساعتك تسير بوقت لا يشبه الساعات من حولك.

ومع كثرة ما ترى، يبدأ اختلاف التوقيت يلفت انتباهك. ترى من حولك يصلون إلى أشياء كنت تتمنى أن تصل إليها، وتسمع أخبارًا تتكرر أمامك، وتجد أن الحياة من حولك تمضي بالسرعة نفسها، بينما بعض الأمور في حياتك لا تزال تنتظر وقتها. وقد يدخل إلى قلبك خوف خفيف من أن يكون شيء ما قد فاتك، أو أن الطريق الذي تسير فيه أبطأ مما ينبغي.

ثم تزيد قربك من الله. تحرص على صلاتك، وتكثر من الدعاء، وتقوم من نومك لتناجي الله، وتحاول أن تجعل علاقتك به أقرب وأصدق، ومع ذلك يبقى توقيت بعض الأمور مختلفًا. وهنا قد تحتاج أن تنظر إلى الوقت نفسه بطريقة أخرى.

لأن وقت المؤمن ليس كوقت الإنسان الذي يقيس حياته بما ظهر له منها فقط. أنت لا تمر بالدقائق نفسها التي يمر بها غيرك. كل دقيقة من عمرك يمكن أن تكون فيها أقرب إلى الله، وأكثر فهمًا لنفسك، وأعظم أجرًا عند الله. قد يبدو لك أنك تنتظر أمرًا واحدًا، بينما كانت هذه السنوات تحمل لك شيئًا لا تراه الآن.

فكر في كل أمنية دعوت الله بها، وفي كل ليلة رفعت فيها يديك، وفي كل صلاة حرصت عليها وأنت تنتظر الفرج. ربما كنت تنظر إلى الأمر الذي لم يحدث، بينما كانت حياتك تمضي في اتجاه آخر. كان أجرك يزداد، وكان تعلقك بالله ينمو، وكانت نفسك تتعلم ما لم تكن لتتعلمه لو جاءت الأمور في الوقت الذي أردته.

وقد يبدو لك هذا الكلام مبالغة إذا نظرت إلى الوقت بعين الدنيا وحدها. لكن المؤمن لا يملك عمرًا ضائعًا بالمعنى نفسه، لأن أيامه لا تُقاس فقط بما حصل عليه منها، وإنما بما عبد الله فيها، وما صبر عليه، وما احتسبه، وما ازداد به قربًا منه.

وما أجمل أن تدرك أن الله سبحانه يتولى أمرك في كل حياتك. حين يكون الأمر بيده، فإن توقيته ليس مجرد موعد للوصول، وإنما يأتي في وقت يعلمه سبحانه ويقدره لك. وقد تصل إلى بعض الأشياء وأنت أكثر بصيرة بها، وأقدر على حملها، وأهدأ في التعامل معها، وأشد تعلقًا بالله من كل وقت مضى.

وهذه رحمة لا نراها دائمًا ونحن داخل الطريق. فقد كنت تريد النعمة في وقت كنت ستتعلق بها، ثم جاءتك في وقت أصبحت فيه تعرف أن النعمة من الله وليست مصدر أمانك. وقد كنت تريد الوصول سريعًا، ثم طال الطريق حتى أصبحت أقدر على حمل المكان الذي كنت تطلب الوصول إليه.

الله يتولى الإنسان بعلم لا يملكه الإنسان عن نفسه. لذلك لا تنظر إلى توقيت حياتك وكأنه سباق مع أحد. ليس لأنك أقل من غيرك، ولا لأنك تسير متأخرًا، وإنما لأن لك طريقًا لا يشبه طريقهم، وعمرًا يجري بتقدير الله لك. ما كُتب لغيرك لا يأخذ من نصيبك شيئًا، وما تأخر عنك لا يعني أنه فاتك.

اظهر المزيد

هديل السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "سلم أمرك لله" 2026 م هذا الكتاب يبدأ من اللحظة التي تعترف فيها النفس أنها تعبت، وأنها تحتاج "شيء أكبر منها"، تحتاج نورًا يهديها، وصوتًا يعيد ترتيبها، وطريقًا لا يُضلّ. تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث
زر الذهاب إلى الأعلى